JoomlaLock.com All4Share.net

فيديو طلبة كلية الصيدلة للمزيد

Super User

Super User

Website URL:

خطة مسار الشامل

 برنامج الشامل في اللغة العربية وآدابها

الخطة الدراسية 2016-2017

(مسار الشامل)

تتكون الخطة الدراسية لنيل درجة الماجستير في اللغة العربية من (33) ثلاث وثلاثين ساعة معتمدة موزعة على النحو التالي:

1- مواد إجبارية بواقع (24) ساعة معتمدة وموزعة على المواد التالية:-

رقم المادة

اسم المادة

الساعات المعتمدة

112711

المسائل النحوية الخلافية

3

112712

قضايا الأدب العربي قديمه وحديثه

3

112713

قضايا نقدية قديمة وحديثة

3

112714

حلقة في البحث الأدبي واللغوي

3

112715

قضايا بلاغية وأسلوبية

3

112716

اتجاهات الدرس اللغوي في العصر الحديث

3

112719

الأوزان الشعرية وتجديدها

3

112723

التراث الصوتي عند العرب

3

المجموع

24

2- مواد اختيارية بواقع (9) ساعات معتمدة يتم دراستها من المواد التالية:-

رقم المادة

اسم المادة

الساعات المعتمدة

112717

نظرية النحو العربي

3

112718

فنون الأدب القديم والحديث

3

112720

اللسانيات العربية

3

112715

قضايا البلاغة العربية

3

112721

مناهج تحقيق النصوص الأدبية

3

112725

كتاب قديم

3

المجموع

18

3-  النجاح في الامتحان الشامل بعد إنهاء المواد الإجبارية والاختيارية.

 
اقرأ المزيد

الورقة النقاشية السادسة

الورقة النقاشية السادسة

"سيادة القانون أساس الدولة المدنية"

 

بقلم عبدالله الثاني ابن الحسين 

16 تشرين الأول/اكتوبر 2016

 

تناولت في الأوراق النقاشية الخمس السابقة العديد من الأفكار والرؤى حول مسار عملية الإصلاح السياسي سواءً تطوير الممارسات الضرورية للديمقراطية، والأدوار المأمولة من كل طرف في العملية السياسية، والهدف النهائي المتمثل بالوصول إلى المستوى المنشود من المشاركة الديمقراطية، والتي تعتبر ضرورة أساسية لازدهار واستقرار وبناء مستقبل واعد لأبنائنا.

ومنذ الورقة النقاشية الأخيرة حدثت تطورات إقليمية كثيرة، فتعمقت النزاعات وما زالت منطقتنا تشهد تحولات جذرية تنتج عنها عواقب وخيمة على دول الإقليم، كان لها أثرها على وطننا الغالي.

وقد لا توجد دولة في التاريخ الحديث تحملت آثار الصدمات الخارجية أكثر من الأردن. وعلى الرغم من كل ما يحيطنا من نزاعات وحروب وانهيار لدول وتفسخ لمجتمعات عريقة، وعلى الرغم من كل لاجئ عبر حدودنا ليستظل بالأمان ويذوق طعم الكرامة التي لم يجدها في بلده، وعلى الرغم من كل التحديات التي واجهتنا وما تزال تواجهنا، إلا أننا نثبت لأنفسنا وللعالم أجمع كل يوم وبعزيمة كل مواطن أردني كم نحن أقوياء. 

وإنني أجد نفسي، على الدوام، فخوراً بكم وبعزيمتكم وحبكم للوطن. وأعلم أن في قلب كل فرد فيكم، مهما اختلفت آراؤه ومهما تباينت تجربته في الحياة، الكثير من الفخر والاعتزاز بأنه أردني. ومن يعيش منكم خارج الوطن يشهد كل يوم ما يحظى به هذا البلد الأبي وهذا الشعب الأصيل من احترام وإعجاب لما يمثله من قيم ومواقف لم نجدها في أكبر وأقوى وأثرى الدول.

إن كل التحديات من حولنا اليوم تقودنا إلى مفترق طرق، ولا بد أن نحدد مسارنا نحو المستقبل بوعي وإدراك لتحديات الواقع ورؤية واثقة لتحقيق طموح أبنائنا وبناتنا، فنترك لهم السلام والأمان والازدهار والكرامة والقدرة على مواجهة أصعب الصعاب.

ولنتمكن من تعزيز منعتنا ومواجهة التحديات بثقة وصلابة ونحقق النمو والازدهار، هناك موضوع رئيسي أطرحه في هذه الورقة النقاشية؛ وهو بالنسبة لي ما يميز الدول المتقدمة الناجحة في خدمة مواطنيها وحماية حقوقهم، وهو الأساس الحقيقي الذي تُبنى عليه الديمقراطيات والاقتصادات المزدهرة والمجتمعات المنتجة، وهو الضامن للحقوق الفردية والعامة، والكفيل بتوفير الإطار الفاعل للإدارة العامة، والباني لمجتمع آمن وعادل؛ إنه سيادة القانون المعبِّر الحقيقي عن حبنا لوطننا الذي نعتز به. إن إعلانات الولاء والتفاني للأردن تبقى مجردة ونظرية في غياب الاحترام المطلق للقوانين.

إن مسؤولية تطبيق وإنفاذ سيادة القانون بمساواة وعدالة ونزاهة تقع على عاتق الدولة. ولكن في الوقت نفسه، يتحمل كل مواطن مسؤولية ممارسة وترسيخ سيادة القانون في حياته اليومية. أقول هذا لأنني أعرف من التجربة أن كل فرد يقبل ويتبنى مبدأ سيادة القانون من الناحية النظرية، ولكن البعض يظنون أنهم الاستثناء الوحيد الذي يُعفى من تطبيق هذا المبدأ على أرض الواقع. بغض النظر عن المكانة أو الرتبة أو العائلة، فإن مبدأ سيادة القانون لا يمكن أن يمارس بانتقائية.
 
وكم يؤلمني ويغضبني أن أرى طفلة تموت في أحضان والدها في عرس أو احتفال تطلق فيه نيران الأسلحة، أو أم تودع ابنها دون أن تعلم أنه لن يعود بسبب سائق لم يحترم القانون، أو طالب متفوق فقد فرصته لعدم تطبيق سيادة القانون، أو مجرم ينعم بالحرية دون مساءلة، وغيرها من أمثلة تمسنا جميعاً وتمس حقوقنا وتفرق بيننا.

وعندما أرى اليوم الحالة المروعة والمحزنة للعديد من الدول في منطقتنا، أجد من الواضح أن غياب سيادة القانون والتطبيق العادل له كان عاملا رئيسيا في الوصول إلى الحالة التي نشهدها.

وعندما ننظر إلى مجتمعاتنا العربية نجد أنها تتكون من منظومة معقدة من الانتماءات الدينية والمذهبية والعرقية والقبلية. ولهذا التنوع أن يكون مصدرا للازدهار الثقافي والاجتماعي والتعدد السياسي، ورافدا للاقتصاد، أو أن يكون شعلة للفتنة والعنصرية والنزاعات. إن ما يفصل بين هذين الواقعين هو وجود أو غياب سيادة القانون.

إن شعور أي مواطن في مجتمعنا بالخوف والظلم لأنه ينتمي إلى أقلية، يضعنا جميعا أمام واقع يستند إلى أساس مهزوز. ومن هنا، فإن ضمان حقوق الأقلية متطلب لضمان حقوق الأغلبية. كل مواطن لديه حقوق راسخة يجب أن تُصان؛ وسيادة القانون هي الضمان لهذه الحقوق والأداة المثلى لتعزيز العدالة الاجتماعية.

إن طموحي لبلدنا وشعبنا كبير لأن هذا ما تستحقونه. ولكي نحقق أهدافنا ونواصل بناءنا لوطننا فإن سيادة القانون هي الأساس الذي نرتكز إليه والجسر الذي يمكن أن ينقلنا إلى مستقبل أفضل. وأطلب من كل مواطن أن يعبر عن حبه لبلدنا العزيز من خلال احترامه لقوانينه، وأن يكون عهدنا بأن يكون مبدأ سيادة القانون الأساس في سلوكنا وتصرفاتنا.

سيادة القانون أساس الإدارة الحصيفة 

إن مبدأ سيادة القانون هو خضوع الجميع، أفراداً ومؤسسات وسلطات، لحكم القانون. وكما ذكرت، فإن واجب كل مواطن وأهم ركيزة في عمل كل مسؤول وكل مؤسسة هو حماية وتعزيز سيادة القانون.  فهو أساس الإدارة الحصيفة التي تعتمد العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص أساسا في نهجها. فلا يمكننا تحقيق التنمية المستدامة وتمكين شبابنا المبدع وتحقيق خططنا التنموية إن لم نضمن تطوير إدارة الدولة وتعزيز مبدأ سيادة القانون، وذلك بترسيخ مبادئ العدالة والمساواة والشفافية؛ هذه المبادئ السامية التي قامت من أجلها وجاءت بها نهضتنا العربية الكبرى التي نحتفل بذكراها المئوية هذا العام.

ولا يؤتي الإصلاح السياسي ثماره المرجوة إلا بوجود نهج واضح وفعال لتحقيق مبدأ سيادة القانون؛ فما حققناه من خطوات جيدة على مسار الإصلاح السياسي بدءاً من التعديلات الدستورية لعام 2011، وما تبعها من تشريعات ناظمة للعمل السياسي، وعلى رأسها قانون الانتخاب واللامركزية، يجب أن  تتماشى مع إصلاح إداري جذري وعميق يهدف إلى تعزيز سيادة القانون، وتطوير الإدارة، وتحديث الإجراءات، وإفساح المجال للقيادات الإدارية القادرة على الإنجاز وإحداث التغيير الضروري والملح، ليتقدم صف جديد من الكفاءات إلى مواقع الإدارة يتمتع بالرؤية المطلوبة والقدرة على خدمة المواطن بإخلاص.

وفي هذا الإطار، لا بد من الإشارة إلى أن هناك جهودا حكومية متعددة ومؤسسات مختلفة تعمل على ضمان إدارة حصيفة للدولة الأردنية، كما أن هناك جهودا وطنية جامعة بُذلت لتحقيق وتعزيز هذا الهدف السامي ومنها: اللجنة الملكية لتعزيز منظومة النزاهة الوطنية، التي قامت بوضع ميثاق لمنظومة النزاهة الوطنية وخطة تنفيذية لها تبين الجهات المسؤولة والإطار الزمني للتنفيذ. كما تم تشكيل لجنة ملكية لمتابعة العمل وتقييم الإنجاز لتعزيز منظومة النزاهة الوطنية، والتي أوصت بإنشاء هيئة النزاهة ومكافحة الفساد تضم تحت مظلتها هيئة مكافحة الفساد وديوان المظالم، وذلك لتوحيد وتعزيز الجهود الوطنية الرامية إلى ترسيخ مبادئ الشفافية والعدالة.

ولكن، لم يرتقِ مستوى الأداء والإنجاز في الجهاز الإداري خلال السنوات الأخيرة لما نطمح إلى تحقيقه ولما يستحقه شعبنا العزيز. وعليه، لا بد من تضافر الجهود من مختلف مؤسسات الدولة لتطوير عمليات الإدارة فيها وإرساء مفهوم سيادة القانون، ضمن مسيرة تخضع عمل المؤسسات والأفراد للمراجعة والتقييم والتطوير بشكل دوري للوصول إلى أعلى المستويات التي نتطلع إليها.

إن مبدأ سيادة القانون جاء ليحقق العدالة والمساواة والشفافية والمساءلة على جميع مؤسسات الدولة وأفرادها دون استثناء وخاصة ممن هم في مواقع المسؤولية، من خلال ممارسات حقيقية على أرض الواقع. ولا يمكن لأي إدارة أن تتابع مسيرتها الإصلاحية وترفع من مستوى أدائها وكفاءتها دون تبني سيادة القانون كنهج ثابت وركن أساسي للإدارة.

إن التطبيق الدقيق لمواد القانون يعد من المتطلبات الضرورية لأي عملية تحول ديمقراطي ناجحة. كما أن سيادة القانون تضمن ممارسة أجهزة الدولة لسلطاتها وفق الدستور والقانون. فلا يمكن لدولة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان أن تعمل خارج هذا الإطار. لذا، تشترك الحكومة وأجهزة الدولة كافة في حمل مسؤولية ما تتخذه من قرارات وسياسات وإجراءات، فمؤسسة البرلمان تمارس دورها في التشريع والرقابة، والقضاء المستقل النزيه والأجهزة الأمنية مناط بها تطبيق القانون، ليطمئن المواطن بأنه يستظل بسيادة القانون الذي يحميه ويحمي أبناءه دون تمييز أينما كان في ربوع هذا الوطن العزيز. وهذا يتطلب بالضرورة تطبيق القانون على الجميع دون محاباة أو تساهل وعلى المسؤول قبل المواطن، كما يجب أن يستند إلى تشريعات واضحة وشفافة، وإدارة حصيفة وكفؤة.

إن التواني في تطبيق القانون بعدالة وشفافية وكفاءة يؤدي إلى ضياع الحقوق ويضعف الثقة بأجهزة الدولة ومؤسساتها. كما أن تساهل بعض المسؤولين في تطبيق القانون بدقة ونزاهة وشفافية وعدالة ومساواة يشجع البعض على الاستمرار بانتهاك القانون ويترك مجالا للتساهل الذي قد يقود لفساد أكبر، بل إلى إضعاف أهم ركائز الدولة، ألا وهي قيم المواطنة.

إن تطوير الإدارة الحكومية مسيرة مستمرة تخضع لمراجعة وتقييم دائمين. وعليه، يجب تحديد مواطن الخلل والقصور والاعتراف بها للعمل على معالجتها، وإرساء وتفعيل مبدأ المساءلة والمحاسبة كمبدأ أساسي في عمل وأداء مؤسساتنا وفي جميع طبقات ومراحل الإدارة الحكومية، بحيث يكافأ الموظف على إنجازه ويساءل ويحاسب على تقصيره وإهماله. كما يجب تحقيق تنمية شاملة مستدامة تشمل جميع القطاعات وتضمن توزيع عوائد التنمية على أنحاء المملكة كافة بشكل عادل.

وتتطلب منظومة المساءلة والمحاسبة إجراءات مسبقة تبدأ بتبني مؤسساتنا لمدونات سلوك وأخلاقيات عمل ملزمة بشكل يحكم عمل وأداء المؤسسات والسلطات المعنية. كما يجب على مؤسساتنا وضع رؤية واضحة، وخارطة طريق، وأهداف محددة تمكن هذه المؤسسات من تحقيق أهدافها، وقياس نسبة الإنجاز والأثر، للوصول إلى أرقى معايير النزاهة والشفافية وأعلى مستويات الخدمة المقدمة للمواطنين.

ولضمان سيادة القانون، لا بد من وجود آليات رقابة فعّالة متمثلة بأجهزة الحكومة الرقابية كوحدات الرقابة الداخلية في الوزارات والمؤسسات، وديوان المحاسبة، وهيئة النزاهة ومكافحة الفساد، وبالبرلمان ودوره الرقابي الدستوري الفاعل الذي يضع مصلحة الوطن والمواطن في المقام الأول، وبالقضاء الذي يختص بالنظر في الطعون والتظلمات المقدمة على قرارات الإدارة العامة والشكاوى المتعلقة بقضايا الفساد المختلفة. وبالنسبة لهذه الأذرع الرقابية، إضافة إلى المحكمة الدستورية والهيئة المستقلة للانتخاب اللتين تضطلعان بدور هام في مجال تعزيز سيادة القانون، يجب العمل على تطويرها باستمرار من خلال تبني الأدوات المتطورة، بما يضمن الفعالية والسرعة، ومعالجة جوانب القصور في عملها سواء التشريعية أو الفنية، الأمر الذي يعزز من ثقة المواطن في مؤسسات الدولة ويحول دون لجوء البعض لإجراءات وحلول فردية غير قانونية تنتقص من سيادة القانون.

الواسطة والمحسوبية

لا يمكننا الحديث عن سيادة القانون ونحن لا نقرّ بأن الواسطة والمحسوبية سلوكيات تفتك بالمسيرة التنموية والنهضوية للمجتمعات، ليس فقط بكونها عائقا يحول دون النهوض بالوطن، بل ممارسات تنخر بما تم إنجازه وبناؤه وذلك بتقويضها لقيم العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص وقيم المواطنة الصالحة وهي الأساس لتطور أي مجتمع.

فلا يمكن لنا أن نقبل أو نغض الطرف عن هذه الممارسات التي تقوِّض أسس العمل العام في خدمة مواطنينا، ولا يمكن أن نجعل من هذه الممارسات وسيلة نحبط بها الشباب المتميز والكفؤ، أو نزرع فيه قناعة بأن مستقبله، منذ إنهائه لدراسته الثانوية وخلال دراسته الجامعية وحتى انخراطه بسوق العمل، مرتبط بقدرته على توظيف الواسطة والمحسوبية لتحقيق طموحه. فأي جيل يمكن أن يحمي سيادة القانون أو أن يدير مؤسساتنا وقد ترسخت الولاءات الفرعية فيه على حساب وطنه؟ وهنا، لا بد من نظرة شمولية لموضوع الشباب، ووضع استراتيجية هادفة وحقيقية تتضمن برامج متطورة يجمع عليها أصحاب الخبرة والمؤسسات الفاعلة في هذا المجال لترسيخ مبادئ المواطنة ودولة القانون وحب الوطن، وتمكين الشباب سياسيا واقتصاديا لتحقيق إمكانياته وتطوير وتوسعة أفقه، بالإضافة إلى توفير المنعة له من الأفكار الظلامية المنحرفة.

كما يعتبر موضوع التعيينات في المواقع الحكومية وبخاصة المناصب العليا من أكثر المواضيع التي يتم التطرق إليها عند الحديث عن الواسطة والمحسوبية، وقد شهدنا في السنوات الأخيرة بعض الممارسات بهذا الخصوص، والتي أرى فيها تجاوزا على مؤسساتنا وإثقالا لها وللمواطن بموظفين غير أكفياء وتجريدا وحرمانا لها من الكفاءات والقيادات التي تساهم بالارتقاء بها والنهوض بعملها في خدمة الوطن والمواطن. وهنا، لا بد من الالتزام بمبدأ الكفاءة والجدارة كمعيار أساس ووحيد للتعيينات.

تطوير الجهاز القضائي أساس لتعزيز سيادة القانون


إن مبدأ سيادة القانون لا يمكن أن يترسخ إلا بوجود جهاز قضائي كفؤ ونزيه وفاعل؛ فالمواطن يلجأ إلى القضاء لثقته بقدرة هذا الجهاز على إنصافه والحصول على حقوقه في أسرع وقت؛ وإن غاب هذا الأمر تزعزت ثقة المواطن بالقضاء.

ولطالما امتاز الأردن بالسمعة الطيبة والكفاءة العالية لجهازه القضائي، وما زلنا نذكر قضاة سجل لهم التاريخ مساهمتهم في تعزيز المكانة الرفيعة للقضاء في الأردن. ولكن، الإجراءات القضائية ما زالت تأخذ وقتا طويلا، وهناك نقص في الكادر الوظيفي ونقص في الخبرات النوعية الخاصة ببعض القضايا، وغيرها من تحديات تؤثر على أداء الجهاز وحقوق المواطن أو المستثمر.

لذا، أصبح من الضروري وضع استراتيجية واضحة للسنوات القادمة تعمل على صيانة وتطوير مرفق القضاء وسائر الأجهزة المساندة له، وتساهم في تعزيز البيئة القضائية الفاعلة والنزيهة، وتهيئة بنية مؤسسية عصرية تليق بالقضاء، وتوفير كوادر خبيرة ومتخصصة، وتطوير سياسات وتشريعات لتسريع عملية التقاضي وتيسيرها والارتقاء بها. كما يجب العمل على ترسيخ ثقافة النزاهة في الجهاز القضائي في مراحله كافة وتفعيل مدونة السلوك القضائي؛ ولا بد من تطوير وتحديث معايير تعتمد الجدارة والكفاءة في تعيين القضاة ونقلهم وترفيعهم بما يحقق العدالة والشفافية. ومن الضروري بمكان تعزيز قدرات القضاة وإكسابهم المهارات الضرورية لإصدار الأحكام القضائية العادلة والنزيهة؛ كما ويجب تطوير وتحديث وتمكين أجهزة الرقابة والتفتيش القضائي لتكون تقارير التفتيش أداة قياس حقيقية وواقعية لأداء القاضي وسلوكه.

سيادة القانون عماد الدولة المدنية 

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن الدولة المدنية، وقد حدث لغط كبير حول مفهوم هذه الدولة، ومن الواضح أنه ناتج عن قصور في إدراك مكوناتها وبنائها. إن الدولة المدنية هي دولة تحتكم إلى الدستور والقوانين التي تطبقها على الجميع دون محاباة؛ وهي دولة المؤسسات التي تعتمد نظاما يفصل بين السلطات ولا يسمح لسلطة أن تتغول على الأخرى، وهي دولة ترتكز على السلام والتسامح والعيش المشترك وتمتاز باحترامها وضمانها للتعددية واحترام الرأي الآخر، وهي دولة تحافظ وتحمي أفراد المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو الفكرية، وهي دولة تحمي الحقوق وتضمن الحريات حيث يتساوى الجميع بالحقوق والواجبات، وهي دولة يلجأ لها المواطنون في حال انتهاك حقوقهم، وهي دولة تكفل الحرية الدينية لمواطنيها وتكرس التسامح وخطاب المحبة واحترام الآخر وتحفظ حقوق المرأة كما تحفظ حقوق الأقليات.

إن هذه المبادئ تشكل جوهر الدولة المدنية، فهي ليست مرادفا للدولة العلمانية، فالدين في الدولة المدنية عامل أساسي في بناء منظومة الأخلاق والقيم المجتمعية، وهو جزء لا يتجزأ من دستورنا. ولا يمكن أن نسمح لأحد أن يستغل أو يوظف الدين لتحقيق مصالح وأهداف سياسية أو خدمة مصالح فئوية.

ولنا أسوة في رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عندما كتب ميثاق صحيفة المدينة عند هجرته إلى المدينة المنورة من أجل تنظيم العلاقة بين جميع الطوائف والجماعات فيها، ومنها المسلمون واليهود والمهاجرون والأنصار. وقد اعتبره الكثيرون إنجازا هاما للدولة الإسلامية ومعلما رئيسيا في تاريخها السياسي، كما ينظر الكثيرون إلى ميثاق صحيفة المدينة على أنه أول دستور مدني في التاريخ، حيث اعتمد على مبدأ المواطنة الكاملة، فقد ساوى بين المسلمين وغير المسلمين من حيث الحقوق والواجبات تحت حماية الدولة مقابل دفاعهم عنها. وقد شمل الميثاق محاور عدة أهمها: التعايش السلمي والأمن المجتمعي بين جميع أفراد المدينة، والمساواة بينهم جميعا فيما يتعلق بمبدأ المواطنة الكاملة من حيث المشاركة الفاعلة في مجالات الحياة المتعددة، واحترام وحماية حرية الاعتقاد وممارسته، والتكافل الاجتماعي بين فصائل الشعب، وحماية أهل الذمة والأقليات غير المسلمة، والنصح والبر بين المسلمين وأهل الكتاب، وغيرها.

وجملة القول أن الدولة المدنية هي دولة القانون التي تستند إلى حكم الدستور وأحكام القوانين في ظل الثوابت الدينية والشرعية، وترتكز على المواطنة الفاعلة، وتقبل بالتعددية والرأي الآخر، وتُحدد فيها الحقوق والواجبات دون تمييز بين المواطنين بسبب الدين أو اللغة أو اللون أو العرق أو المستوى الاقتصادي أو الانتماء السياسي أوالموقف الفكري.

ونحن سنبقى ملتزمين بالقيم التي عُرف بها هذا الوطن منذ نشأته ولن نحيد عنها أبدا؛ فهذه القيم ميزت هذا الشعب بمختلف أطيافه، وهي قيم السلام والاعتدال والوسطية، وقيم المساواة والحرية والتعددية وقيم الرحمة والتعاضد وقبول الآخر، وقيم المثابرة والانفتاح والمواطنة الصالحة؛ فهذه خصائص ورثناها وأصبحت من شيم الأردنيين وسنزرعها في قلوب أبنائنا إن شاء الله.

اقرأ المزيد

الورقة النقاشية الخامسة

الورقة النقاشية الخامسة

 

"تعميق التحول الديمقراطي: الأهداف، والمنجزات، والأعراف السياسية"

بقلم عبدالله الثاني ابن الحسين
13 أيلول/سبتمبر 2014

 

شرعت، قبل نحو سنتين، في المساهمة في النقاش الوطني الدائر حول عملية الإصلاح عبر سلسلة من الأوراق النقاشية. وقمت من خلال الأوراق النقاشية الأربعة الأولى بإيجاز رؤيتنا الإصلاحية وهدفها النهائي المتمثل في ديمقراطية أردنية متجددة وحيوية تقوم على ثلاث ركائز، وهي: ترسيخ متدرج لنهج الحكومات البرلمانية، تحت مظلة الملكية الدستورية، معززا بمشاركة شعبية فاعلة أو ما وصفته بـ "المواطنة الفاعلة".

إن الأردن، وبمنعته المعروفة، يواجه تحديات إقليمية غير مسبوقة تحيط بنا وترهق اقتصادنا. ورغم هذه التحديات، فإن عملية الإصلاح السياسي مستمرة. ويجدر بنا الوقوف هنا على ما تم تحقيقه على طريق إنجاز ديمقراطية أردنية متجددة منذ أن نشرت ورقتي النقاشية الأخيرة في حزيران 2013.

فقد نجحنا في إيجاد ربيع أردني خاص بنا، ومضينا في تسريع وتيرة الإصلاحات المبنية على نموذج إصلاحي تطويري متدرج، ويقوم على إشراك جميع فئات المجتمع في العملية السياسية. ولنتذكّر جميعا أيضاً بأن الهدف النهائي لعملية الإصلاح السياسي النابعة من  الداخل يترجم من خلال تمكين المواطنين من القيام بأكبر دور ممكن في صنع القرار عبر ممثليهم المنتخبين. وعليه، فإن تعميق ديمقراطيتنا يترجم عملياً عبر تعميق تجربة الحكومات البرلمانية، لنصل بها إلى مرحلة متقدمة من الممارسة التي تتولى فيها الكتلة الحزبية أو الإئتلافية ذات الأغلبية النيابية، أو ائتلاف من الكتل، تشكيل الحكومات، في حين تتولى الأقلية النيابية مهام حكومة الظل، من رقابة على الحكومات ومساءلتها، وتقديم برامج بديلة، وضمان التداول الديمقراطي للحكومات.

إن تعميق تحولنا الديمقراطي يتطلب شروطاً أساسية لا بد من إنجازها ضمن مسارات متوازية ومترابطة، وقد ركز أسلوبنا في تحقيق ذلك على إنجازات تمثل محطات نجاح للجميع.

بناء على ما تقدّم، فإنني أسعى عبر هذه الورقة النقاشية الخامسة* إلى الوقوف على محطات الإنجاز التي تم تحقيقها على ثلاثة مسارات متوازية، إضافة إلى عرض محطات الإنجاز التالية التي لا بد من تحقيقها، خاصّة منظومة القيم والممارسات والأدوار والأعراف التي يجب أن نستمر في تعميقها وتطويرها حفاظاً على زخم مسيرتنا الإصلاحية، وتحقيق هدفنا النهائي بنجاح، وبشكل يلبّي تطلعات المواطنين.

وفيما يلي أهم محطات الإنجاز التي تم تحقيقها حتى الآن:

أولاً: محطات الإنجاز التشريعي:


إن هذا المسار يتضمن الإنجازات التي تم تحقيقها في مجال إصلاح التشريعات، والتي تمثل البنية الأساسية لأي نظام ديمقراطي في العالم، ومن أهمها:

  • إقرار تعديلات دستورية ترسخ منظومة الضوابط العملية لمبادئ الفصل والتوازن بين السلطات، كما أنها تعزٍّز الحريات،  وتستحدث مؤسسات ديموقراطية جديدة. وحالياً، فإن مجلس الأمة على مشارف إنجاز جميع التشريعات الواجب تعديلها بما يضمن توافقها مع التعديلات الدستورية.
  • إنجاز حزمة جديدة من التشريعات الناظمة للحياة السياسية، والتي دخلت حيز النفاذ قبيل الانتخابات النيابية الأخيرة. وقد شملت هذه الحزمة: قوانين الانتخاب، والأحزاب السياسية، والاجتماعات العامة، والتي تساهم بدورها في تعزيز أجواء العمل السياسي وتشكيل الأحزاب من مختلف ألوان الطيف السياسي.
  • تطبيق قانون معدِّل لقانون محكمة أمن الدولة يحصر اختصاصها في جرائم الخيانة، والتجسس، والإرهاب، والمخدرات،  وتزييف العملة، بما يكرّس المبدأ العام لمحاكمة المدنيين أمام المحاكم المدنية فقط.
  • أما آخر الإنجازات ضمن هذا المسار فيتمثل في التقدم النوعي الذي أحرزه مجلس النواب في تطوير نظامه الداخلي ليكون  أكثر فاعلية.

ثانياً: محطات الإنجاز المؤسسي:


ويتضمن هذا المسار تعزيز بعض مؤسسات الدولة القائمة وبناء مؤسسات ديمقراطية جديدة، على النحو التالي:

·         إنشاء محكمة دستورية تختص بتفسير نصوص الدستور والرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة بما يضمن احترام  حقوق وحريات جميع المواطنين وفقاً للدستور.

  • استحداث هيئة مستقلة للانتخاب نالت الاحترام والتقدير داخل الأردن وخارجه لدورها الرائد في إدارة الانتخابات النيابية  وضمان نزاهة وشفافية الانتخابات النيابية والبلدية من خلال الإشراف عليهما، التي أجريت في غضون عام واحد، وهذه شهادة على الثقة وآفاق التجديد السياسي التي تتمتع بها مؤسساتنا. وفي إطار البناء على نجاحات الهيئة المستقلة للانتخاب، فقد شهدنا مؤخراً إقرار المزيد من التعديلات الدستورية التي توسع من مسؤوليات الهيئة لتشمل إدارة الانتخابات البلدية، وأي انتخابات عامة أخرى مثل انتخابات المجالس المحلية في المحافظات.
  • تأسيس مجلس النواب مركزاً للدراسات والبحوث التشريعية يدعم عمل النواب واللجان النيابية المتخصصة، ويضمن أن  يستند عمل المجلس وقراراته إلى الأبحاث والمعلومات المدعومة بالبراهين. كما شهدنا جهوداً حثيثة لتعزيز الشفافية، تمثلت بقيام اللجنة المالية في مجلس النواب بمناقشة تفصيلية لموازنات القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، والديوان الملكي الهاشمي للعام 2014، وذلك في سابقة ومبادرة نوعية لمجلس النواب للارتقاء بآليات وممارسات الرقابة.
  • استمرار العمل في تدعيم السلطة القضائية وتعزيز منظومة وطنية قوية للنزاهة والشفافية والمساءلة تبني على مخرجات  اللجنة الملكية لتعزيز منظومة النزاهة الوطنية، ولجنة تقييم التخاصية، وتستند إلى سلطة قضائية قوية ومستقلة وعدد من المؤسسات الرقابية الرئيسة، مثل: هيئة مكافحة الفساد، وديوان المحاسبة، وديوان المظالم، وأنظمة الرقابة في القطاعين الحكومي والخاص والمجتمع المدني.
  • الاستمرار في دعم المركز الوطني لحقوق الإنسان وشبكة من المؤسسات المعنية بحقوق الإنسان، بهدف تقوية منظومة  حقوق الإنسان وضمان متابعة الحكومة لتوصيات المركز وإنهاء إعداد الخطة الوطنية لحقوق الإنسان.
  • متابعة العمل في مسارات برنامج تطوير القطاع العام، من خلال: البناء على ما تم إنجازه من دمج المؤسسات ضمن مسار إعادة الهيكلة، والاستمرار في تحسين مستوى الخدمات الحكومية، وتنمية الموارد البشرية، وتطوير آليات صناعة القرار.

·          أخيراً، وفي إطار مساعينا نحو حكومة برلمانية ناضجة، فإن العديد من الإصلاحات يتم تطبيقها الآن في مؤسساتنا الأمنية الوطنية. وقد انطلقت هذه الجهود مع الرسالة التي وجهتها لمدير المخابرات العامة في عام 2011 للمضي قدما في إصلاح هذه المؤسسة الوطنية الرائدة. وفي خطوة إصلاحية لا تقل أهمية، فإن الحكومة تعكف حالياً على تفعيل دور وزارة الدفاع لتتولى مسؤولية جميع الشؤون الدفاعية غير القتالية، ولتكون بالطبع جزءا من الحكومة وخاضعة لرقابة مجلس الأمة.

ثالثاً: محطات التطور الخاصة بأطراف المعادلة السياسية:

يشتمل هذا المسار على تحديد القيم والممارسات الجوهرية، والتي تقع في صميم الثقافة الديمقراطية وممارسات المواطنين، إضافة إلى أدوار الأطراف الرئيسية في المعادلة السياسية، حيث غدت القيم الضرورية لعملية تحول ديمقراطي ناجحة نحو الحكومات البرلمانية معروفة لجميع الأردنيين، وهي القيم التي لا بد من تجذيرها في ثقافتنا ومجتمعنا، وتشمل: الاعتدال، والتسامح، والانفتاح،  والتعددية، وإشراك جميع مكونات المجتمع، واحترام الآخرين والشعور بهم، واحترام سيادة القانون، وصون حقوق المواطن، وتأمين كل طيف يعبر عن رأي سياسي بفرصة عادلة للتنافس عبر صناديق الاقتراع.

ولا بد هنا أيضاً من التأكيد على ضرورة استمرار "ربيعنا الأردني" في تبني الممارسات الديمقراطية الأساسية التالية: احترام مبدأ الحوار وتبنيه في سبيل تجاوز الاختلافات، والتلازم بين حقوق المواطنين وواجباتهم، والشراكة في بذل التضحيات ونيل المكاسب، وتحويل الاختلافات إلى حلول توافقية، والمشاركة الفاعلة من قبل جميع المواطنين والمواطنات.

كما يترتب على جميع أطراف المعادلة السياسية – الملكية، وأعضاء مجلس الأمة، والحكومة، والأحزاب السياسية، والمواطنين – تبني هذه القيم والممارسات وتطبيقها لدى قيامهم بأدوارهم ومسؤولياتهم الوطنية، والتي تشكل بدورها أحد المكونات الرئيسية لهذا المسار الثالث، والتي تتجلى فيما يلي:

  • يقع على عاتق الملكية الهاشمية مسؤوليات توفير نهج قيادي جامع لكل المكونات يستشرف المستقبل بهدف تحقيق  الازدهار لأجيال الوطن. ويقع على الملك، بصفته رأسا للدولة وقائداً أعلى للقوات المسلحّة، مسؤولية الدفاع عن قضايانا المصيرية المرتبطة بالسياسة الخارجية وأمننا القومي، وحماية تراثنا الديني ونسيجنا الاجتماعي وذلك من خلال مجلس الوزراء الذي يتولى إدارة جميع شؤون الدولة استنادا إلى الدستور. كما أن على الملكية الاستمرار بدورها كحام للدستور ولمقومات الحياد الإيجابي والاستقرار والعدالة، بالإضافة إلى مسؤولية الملكية كفيصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية لتجاوز حالات الاستعصاء السياسي عند حدوثها.
  • يقع على كاهل أعضاء مجلس الأمة مسؤوليات العمل بتفان لخدمة الصالح العام، وأن يعكس أداؤهم توازناً بين المصالح  المحلية والمصالح الوطنية، وتوازناً بين مسؤولية التعاون ومسؤولية المعارضة البناءة للحكومة، بحيث تكون علاقة النائب بالحكومة قائمة على أسس موضوعية لا مصلحية ضيقة، وبما يضمن قيام مجلس الأمة بدوره كحاضنة أصيلة للحوار الوطني الديمقراطي.
  • يقع على الحكومة ممثلة برئيس الوزراء والفريق الوزاري والعاملين في الجهاز الحكومي وضع وتنفيذ خطط وبرامج  عمل شاملة تهدف إلى توفير الفرص الاقتصادية وتحقيق الازدهار الذي يستحقه ويتطلع إليه جميع أبناء وبنات الوطن. وتنفيذ ذلك يتطلب من الحكومة نيل ثقة مجلس النواب والمحافظة عليها بناء على برنامج عمل الحكومة، ووضع معايير للعمل الحكومي المتميز، وتبني نهج الشفافية والحاكمية الرشيدة والشراكة الفعلية مع مؤسسات القطاع الخاص والمجتمع المدني، وترجمة كل ذلك قولاً وفعلاً.
  • يقع على الأحزاب السياسية مسؤوليات الاندماج وصولاً إلى عدد منطقي من الأحزاب الرئيسية الممتدة على مستوى  الوطن، والتي تمثل مختلف آراء الطيف السياسي وتتبنى برامج حزبية واضحة وشاملة.
  • أما المواطنون فيقع عليهم مسؤولية المشاركة الفاعلة والبنّاءة في جميع مناحي الحياة السياسية. ويسعدني أن أرى المزيد من  أبناء وبنات شعبنا يتبنون روح وفكر "المواطنة الفاعلة" على مستويات العمل المحلية والوطنية، وهو المفهوم الذي طرحته للنقاش العام خلال السنة الماضية.

قد تضاعف، وعلى مدار الخمس سنوات الماضية، عدد مؤسسات المجتمع المدني ليبلغ اليوم أكثر من 6000 مؤسسة. ونتطلع لاستمرار هذه المؤسسات في بناء قدراتها وزيادة فاعليتها وخدمة قضايا المواطنين وهمومهم، والتأثير في رسم السياسات والعمل كرقيب وطني.

وما أسعدني، في هذا السياق، هو أن أكثر من 1000 فكرة قد تم تقديمها خلال أول دورتين من نوافذ التمكين الشبابي التي يوفرهابرنامج التمكين الديمقراطي، وهي مبادرة لتمكين الشباب تم إطلاقها في حزيران الماضي تحت مظلة صندوق الملك عبدالله الثاني  للتنمية. ومن هذه الأفكار مبادرات بعض الشباب والشابات مثل الطالبة فرات الملكاوي، التي بادرت لتطوير مجلس طلبة نموذجي ضمن مدرستها في منطقة عرجان، يحاكي مجلس النواب ويقوم على مبادئ ومعايير ديموقراطية ويتبنى مفاهيم مثل البرامج الحزبية، والحملات الانتخابية، وقواعد السلوك، وضمانات الانتخابات النزيهة. ومبادرة الطالبة هنية الضمور لإعداد 12 حلقة لبرنامج حواري تفاعلي بُثَّ عبر الإذاعات المحلية لمحافظة الكرك، ويهدف إلى تبني أسلوب يعتمد على حلول عملية لقضايا المجتمعات المحلية. ومبادرة الشاب محمد العمور التي تعالج ظاهرة العنف الجامعي عبر جلسات حوارية، ومقاطع مسرحية، والتدريب على مهارات الحوار والتفاوض والاتصال وإدارة الإختلاف، والتي نجحت في تأهيل فريق مدرِّبين وعقد ورش تدريبية في عدة جامعات. وتعد هذه الأمثلة وغيرها تجسيدا حقيقيا للمواطنة الفاعلة.

كما سيطلق برنامج التمكين الديمقراطي قريبا مبادرة أخرى في ذات الأهمية، وهي "مرصد مصداقية الإعلام الأردني – أكيد"، بالشراكة مع معهد الإعلام الأردني. وتهدف هذه المبادرة إلى تمكين المواطنين من الاطلاع بشكل موثوق ودقيق على أبرز القضايا التي تعنيهم، وذلك من خلال المساهمة في التأكد من صحة التقارير والمعلومات الواردة في أبرز وسائل الإعلام الصحفية والإلكترونية، وهو الأمر الذي يشكل عنصراً هاماً في تعزيز نظامنا السياسي ليكون أكثر شفافية ومساءلة من قبل المواطنين.

نظرة مستقبلية:

أما الآن، وبعد أن تم إيجاز ما تم تحقيقه، فلا بد من النظر إلى المرحلة التالية من محطات الإنجاز التي علينا عبورها. ومن المهم أن نعي جميعا أهمية بذل أقصى الجهود للقيام بدورنا وتنفيذ مسؤولياتنا وفق أعلى معايير التميّز والعطاء والتفاني، وعلى النحو التالي:

  • يتوجب على المشرّعين تطوير القوانين السياسية الرئيسية، بما يضمن التوافق والارتقاء بتجربة الحكومة البرلمانية. كما يجب  أن تعطى الأولوية لقوانين الحكم المحلي عبر إنجاز قوانين الانتخابات البلدية واللامركزية أولاً. وفور الانتهاء من إنجاز هذين التشريعين الهامّين، يجب أن نمضي قدماً نحو إنجاز قانون انتخاب جديد، وسبب هذا الترتيب هو أن موعد استحقاق الانتخابات البلدية القادمة وانتخابات المجالس المحلية للمحافظات يسبق النيابية ويأتي خلال أقل من عامين، في حين أن موعد استحقاق الانتخابات النيابية القادمة يأتي بعد أقل من ثلاث سنوات، بالإضافة إلى أن قانون الانتخاب سيتأثر بمخرجات حزمة قوانين الحكم المحلي. كما أن على مجلس النواب تعزيز عمل الكتل النيابية لأثرها في تشجيع تطور العمل  الحزبي، والاستمرار أيضاً في تطوير أسس وأعراف العمل النيابي، ومن ضمنها تطوير مدونة لقواعد السلوك واعتمادها.
  • أما الحكومات، فيجب عليها الاستمرار في تطوير أداء القطاع العام والجهاز الحكومي بحيث يكونا على أعلى مستويات  المهنية والموضوعية والحياد السياسي والقدرة على إنتاج سياسات مقترحة مبنية على البراهين والأبحاث، وتوفير النصيحة الضرورية للوزراء في الحكومات البرلمانية مستقبلاً. كما يتوجب على الحكومات أيضاً إعداد استراتيجيات وخطط عمل بعيدة المدى تعتمد نهجاً تشاورياً في التواصل مع المواطنين، وبشكل فعّال يتوخى الالتزام بالمساءلة والشفافية في إعلان الموازنات وأسلوب إدارة المشاريع الوطنية. وعلى الحكومة أيضاً المضي قدماً في تفعيل وزارة الدفاع كما أشرت سابقاً.
  • يتعين على الأحزاب السياسية الاستمرار في تطوير نظمها الداخلية بحيث تتطور إلى أحزاب برامجية ذات كفاءة وتأثير  وحضور على مستوى الوطن، قادرة على الفوز بأغلبية أصوات الناخبين. كما عليها أن تولي جلّ عنايتها أيضاً لتأهيل قيادات كفؤة وقادرة على تولي المناصب الحكومية وصولا إلى تطبيق متقدم للحكومات البرلمانية. وبالتوازي مع ذلك، فيجب أن تستمر جهود تعزيز وتطوير أداء وعمل الكتل النيابية في مجلس النواب لإنها تشكل حافزاً هاماً لتطوير أحزاب برامجية ذات حضور وطني.
  • ويتوجب كذلك الاستمرار في بناء قدرات السلطة القضائية لأن العدل هو أساس الحكم، بالإضافة إلى تطوير قدراتالمحكمة الدستورية والهيئة المستقلة للانتخاب لتمكينهما من إطلاق كامل طاقاتهما والعمل وفق أفضل الممارسات  العالمية، لتغْدُوا مراكز تميّز على مستوى الإقليم.
  • وعلى اللجنة الملكية لتقييم العمل ومتابعة الإنجاز لتعزيز منظومة النزاهة الوطنية الاستمرار في متابعة وتقييم تنفيذ  توصيات اللجنة الملكية لتعزيز منظومة النزاهة الوطنية.
  • وعلى مؤسسات المجتمع المدني، ومن ضمنها الجامعات ومراكز الدراسات، إضافة إلى القطاع الخاص لعب دور  أكبر في المساهمة في إنتاج أفكار وأبحاث تقدم حلولاً للتحديات التي تواجهها المملكة. ولتيسير ذلك، فلا بد من استمرار الاستثمار في البحث العلمي ومؤسسات المجتمع المدني، وتوسيع حجم المبادرات الناجحة، وإتاحة أدوات إبداعية جديدة تشجع ممارسات الحوار والتطوع والمساءلة والشفافية والحق في الحصول على المعلومات.

هنا لا بد من الإشارة إلى أن أبرز التحديات التي نواجهها في ضوء عمليات التطوير تتمثل في المحافظة على التوازن الدقيق بين مختلف السلطات، بحيث تعمل فيما بينها بفاعلية وتبقى مستقلة في ذات الوقت. ومع أن دستورنا وتشريعاتنا تسهّل المحافظة على هذا التوازن، إلا أن التجارب الديمقراطية في مختلف دول العالم، وعلى امتداد التاريخ، أظهرت أنه من المستحيل لأي دستور أو مجموعة تشريعات التنبؤ والتحوط لمختلف الظروف مستقبلا.

جزء من الحل لهذا التحدي يتمثل في القدرة على اتخاذ أفضل القرارات في مواقف غير محكومة بقواعد أو أنظمة مدونة، وهو ما يتعارف عليه بـ"الأعراف السياسية" التي تحكم عادات وممارسات أطراف العملية السياسية، وهي تلعب دورا مهما في كل أنظمة الحكم في العالم، خاصّة البرلمانية، وقد أشرت إلى أهميتها في الورقة النقاشية الثانية. والأعراف السياسية هي عادات وممارسات غير مدوّنة، قد لا يكون لها قوة القانون، إلا أنها شرط أساسي لعمل نظامنا السياسي بشكل فعّال وواقعي. ومن أمثلتها في ممارستنا السياسية كتاب التكليف الذي يوجهه الملك للحكومات، والذي يعد عرفاً سياسياً يُستدل من خلاله على أبرز المسؤوليات والمهام المنتظرة من الحكومة، ويشكل تنفيذها مقياسا مهماً لتقييم أداء الحكومة.

عليه، فإنه يتوجب على كل من مجلس الأمة والحكومة وأجهزتها تطوير الأعراف القائمة وإرساء أعراف جديدة في ظل بروز  تغيرات وتحديات متنامية. وفيما يلي عرض لعدد من المجالات التي يساعد تطوير أعراف حولها في تعزيز التعاون والتنسيق بين مختلف المكونات السياسية:

الآلية التشاورية لتكليف رئيس الوزراء، وذلك في ظل استمرار تطور ممارسات ديمقراطيتنا البرلمانية. بالإضافة إلى آلية إعداد رئيس الوزراء المكلف والحكومة المكلفة لبرنامج عملهم لمدة أربع سنوات، والذي يعتبر أحد أسس منح مجلس النواب الثقة للحكومة.

من بين المجالات أيضاً، تنظيم جلسات الأسئلة والاستجواب فيما بين مجلس الأمة والوزراء، بأسلوب يراعي مبادئ الشفافية والمساءلة وحق الحكومة في ممارسة السلطة، دون التهديد بالتلويح بحجب الثقة أو التقدم بطلب استجواب من قبل أعضاء مجلس النواب لمجرد تعارض قرارات الحكومة مع مصالح فئوية وشخصية ضيقة، بالإضافة إلى تحديد أدوار مجلس الوزراء ومجلس الأمة والجهاز الحكومي خلال مراحل التغيير الحكومي، والتي تشمل: فترة التشاور لتكليف رئيس وزراء جديد، وفترة تسيير الأعمال  لحين تشكيل الحكومة، والفترة الزمنية لحين منح مجلس النواب الثقة للحكومة بناء على أعضائها وبرنامج عملها لأربع سنوات.

في ظل كل ما تقدّم، فلا بد من الإشارة هنا إلى أنه ما زال أمامنا الكثير من العمل لبناء ديمقراطية مكتملة العناصر، وتحقيق هدفنا النهائي المتمثل في الحكومات البرلمانية الناضجة. وآمل أن يكون ما عرضته في هذه الورقة لنموذجنا الإصلاحي ولمحطات الإنجاز التي قطعناها قد أوضح كيف يجب أن نمضي في الإصلاح ضمن مسارات متوازية ومترابطة، وأن يمنحنا الثقة والحافز لتحقيق المزيد من الإصلاحات وإنجاز محطات إصلاحية قادمة ضمن مسارنا الديموقراطي.

ولنتذكر جميعاً أن نجاحنا في الوصول إلى الهدف النهائي للإصلاح مرهون بقيام جميع أطراف العملية الإصلاحية بمسؤولياتهم وأدوارهم والارتقاء بها، وبترسيخ القيم والممارسات الديمقراطية، وتعزيز الأعراف القائمة وتطوير الضروري منها، وبتحقيق مستويات النضج السياسي الضروري لإنجاز متطلبات كل محطة إصلاحية.

يترتب علينا في هذا المجال مسؤولية جماعية في احتضان القيم والممارسات الديموقراطية والاستمرار في تطويرها مستقبلا، من خلال تجذيرها في منظومتنا القيمية والتربوية والتشريعية عبر حملات التوعية والمناهج، وتمكين المؤسسات الوطنية المسؤولة عن صون هذه القيم والممارسات.

أود أن أنهي هذه الورقة بالتأكيد على أن الأمن والديمقراطية والرفاه هي دعائم المستقبل، ويعتمد كل منها على الآخر، فالتحديات الراهنة تمثل واقعا استثنائيا ضاغطا، لكن الأردن ماض بثقة على مسار التنمية السياسية الذي اختطه. أما اقتصادنا الوطني، وفي ظل ما يواجهه من أعباء هائلة، فإننا بحاجة لتركيز كل الجهود لتحفيزه ودفع عجلته.

كما كرّست المجموعة الأولى من أوراقي النقاشية للمساهمة في النقاش الوطني حول طبيعة النظام السياسي الذي يجب أن نطوره لمستقبل الأردن، فإنني سأكرس الورقة النقاشية القادمة لمناقشة الفرص المتأتية من بناء نموذج اقتصادي جديد ومستدام يسعى لتحسين مستوى معيشة أبناء وبنات الوطن، في ضوء التصور المستقبلي للاقتصاد الوطني للسنوات العشرة القادمة الذي وجهت الحكومة لإعداده. وعليه، فإن الرؤية الاقتصادية والاجتماعية التي يحتاجها الأردن ستكون المحور الرئيسي للأوراق النقاشية القادمة التي أعتزم المساهمة بها قريبا في النقاشات الوطنية.

* هذه المقالة هي الورقة النقاشية الخامسة ضمن سلسلة أوراق ينشرها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين لعرض رؤيته لمسيرة الإصلاح الشامل في الأردن في مختلف المجالات، ومتوافرة على المواقع الرسمية التالية:


http://kingabdullah.jo 
 http://rhcjo.wordpress.com

اقرأ المزيد
Subscribe to this RSS feed

Copyright © 2015 for IU. www.iu.edu.jo Email : Webmaster@iu.edu.jo
Developed by Computer Center - Web Department

Log in

create an account